قضية نيفينكا فيرنانديز.. أو الجانب المظلم من سياسة الضغط من أجل تمثيل النساء في السلطة!

في عالم لا يعترف بقدرات النساء خارج المنزل، قد يعني منح مقعد في السلطة، إعطاء غطاء لتقديم خدمة جنسية لصاحب السلطة؛ لذا عندما تكون المرأة جميلة وذكية وتحصل (بسهولة) على مكان تحت شمس الرجال، يجب أن تتعلم الحذر أو أن تستعد نفسيا لخوض معارك ضارية مثل معركة نيفينكا فيرنانديز في إسبانيا قبل عشرين عاما.

تعد قضية نيفينكا فيرنانديز ضد عمدة مدينة بونفيرادا، أول قضية في إسبانيا تُدان فيها شخصية سياسية بالتحرش الجنسي، كان ذلك في منتصف عام 2002، وحاول المسلسل الوثائقي القصير Nevenka breaking the silence “نيفينكا تكسر الصمت”، الذي أنتجته شبكة نتفليكس وعُرض في العام الماضي، استعادة بعض من تفاصيل القضية وما سبقها من أحداث، والتي أصبح يرى متابعون وصحفيون هناك، إن شجاعة نيفينكا قد سبقت حركة Me Too بسنوات عدة، كما يمكن لرواية قضية نيفينكا في هذا التوقيت أن تعني شيئا في إطار إجابة على سؤال: ما الذي يمكن أن نتعلمه من قضايا الاعتداءات الجنسية على النساء حول العالم؟، وربما تكون مثال جيد على الجانب المظلم من سياسة الضغط من أجل تمثيل النساء في السلطة، دون أن يسرن في المسار الشاق نفسه الذي يخطوه الرجال وصولا إلى مقاعدها، حتى لو كان مقعد في مجلس محلي لمدينة صغيرة تحتل مساحة دبوس على الخريطة!

  • البحث عن امرأة.. جميلة!

في عام 1999 كان سياسي معروف يُدعى إسماعيل ألفاريز يستعد للترشح عن حزب الشعب كعمدة في إنتخابات مدينة بونفيرادا التي تتبع مقاطعة ليون في إسبانيا، كانت لديه فرصة واعدة للغاية للفوز بالمنصب لأسباب سيتم ذكرها لاحقا، لكنه أراد بناء على نصيحة أن يستعين بالعنصر النسائي ضمن أعضاء مجلسه في حالة فوزه، رغبة في أن يمنحه ذلك قيمة إضافية عن منافسيه، وهنا ظهرت نيفينكا فيرنانديز بناء على ترشيح من صديق لعائلتها، صادف إنه صديق لـ ألفاريز أيضا، كان هذا الصديق مدركا أن مواصفاتها هي تماما ما يبحث عنه العمدة المستقبلي: امرأة جميلة تحمل شهادة جامعية كما إنها صغيرة السن- كانت في منتصف العشرينيات من عمرها- وطموحة حيث كانت تدرس للحصول على شهادة الماجستير في جامعة مدريد.

تقول تشارو فيلاسكو عضو المجلس المحلي عن حزب العمال الاشتراكي، ضمن أحداث المسلسل الوثائقي “نيفينكا تكسر الصمت”، أنه في هذه الفترة لسبب ما شعر السياسيون من الرجال بأن عليهم توظيف النساء في المناصب الرئيسية، ولذلك تم ترشيحها هي أيضا لخوض الانتخابات عن حزبها كبديل عن مرشح رجل استقال مبكرا؛ “وظفوني لأني امرأة” هكذا قالت.

يبدو أن نيفينكا في هذه المرحلة المبكرة كانت تدرك الأمر نفسه، أن اختيارها بالأساس لأنها امرأة تحمل الشهادة الجامعية مما سيضيف ثقلا ما للمجلس المحلي المنتخب، في ظل أن السياسيين وقتها كان لديهم مؤهلات مختلفة، لكن صحفية إسبانية كانت تتابع الانتخابات قالت عنها: “إنها شابة جميلة ومنظمة، الأرجح أنهم أخذوا ذلك بعين الاعتبار؛ لأن النساء يُقيّمن بهذه الطريقة، أليس كذلك؟! للأسف”.

يرجى ملاحظة، إن أحدا لم يتحدث عن ضرورة وجود خبرة سياسية من أي نوع أو استعداد أو حتى طموح في مجال السياسة، فـ نيفينكا التي كانت ما زالت تدرس لنيل درجة الماجستير لم تذكر إنها كانت تطمح في أن تكون سياسية، ولم تتحدث كذلك عن مجال محدد، لكن يبدو أنه قد لاح لها من بعيد بريق هذا الطريق والفرص المتعددة التي يتيحها بالنسبة لشابة صغيرة، وهذه بداية كانت تحمل نذيرا سيئا للمستقبل!

العمدة.. سياسيا مثاليا وزير نساء!

كان إسماعيل ألفاريز وقتها يستعد لبلوغ عامه الخمسين، سياسيا مثاليا بالنسبة لحزب الشعب، واعدا ومعروفا للغاية، وكان حتى العام 1996 عضوا في مجلس الشيوخ الإسباني، بالإضافة إلى أنه رجل أعمال واسع النفوذ في المدينة الصغيرة، حيث كان يمتلك العديد من المطاعم والملاهي الليلية، والتي من خلالها تمكن من توفير العديد من فرص العمل، فقد فاز بمنصب العمدة باكتساح، ومعارضوه لا يستطيعون إنكار إنه كان محبوبا، يتجول في البلدة والناس يشعرون أنه منهم، وجزء كبير من سكان المدينة “يدين” له بخدمة!
لكن يبدو أن الجانب المظلم في شخصية العمدة يتعلق بالنساء، تشارو فيلاسكو التي كانت في حزب معارض للعمدة وحزبه، حاولت أن تصيغ المشكلة بكلمات تحمل ثقلا أقل من متحرش بأن قالت “كان يحاول دائما أن تكون علاقته بالنساء أكثر ودا”!

لكن نيفينكا تذكرت تحذير والدتها لها بأن العمدة الذي كانت على وشك العمل معه ، في الحقيقة “زير نساء”، لكنها بغرور شابة صغيرة لم تعر الأمر اهتماما “لم أكن أفعل ما ينصحني به الآخرون”!

التعاطف بداية طريق المواعدة.. أحيانا!

عندما فاز العمدة بالانتخابات، وأصبحت نيفينكا عضوا في مجلس المدينة المنتخب، كان لديها حبيب، تواعده منذ سنوات، قالت هي إن حياتها العاطفية كانت “منظمة تماما”، ورأت أن وظيفتها الجديدة ممتعة جدا، على الرغم من إنها لم تكن لها علاقة مع الأوساط السياسية من قبل، إلا إنها اندمجت سريعا في الأجواء “لم أكن أخاف من أي شيء”، وأصبحت تعتقد بأنها يمكن أن تُحدث فرقا في حياة الناس.

في المقابل، كانت على وعي بأن الناس يتحدثون عن أن حصولها على عضوية المجلس؛ لأنها على علاقة خاصة بالرجل الذي أصبح عمدة، لم يكن هذا صحيحا، ولكن كان هذا الاعتقاد السائد خاصة مع ميله هو نفسه لإقناع المحيطين به أنها “حبيبته”، على الرغم من إنه كان متزوجا من سنوات عدة، وزوجته كانت تعاني من مرض السرطان، لفترة طويلة، قبل أن تموت بعد عدة أشهر من انتخابه، وهذه النقطة تحديدا كانت ثقبا أسودا دخلت منه نينفنكا إلى الحياة الخاصة لرئيسها في العمل!

تقول نيفينكا إن علاقتها بالعمدة بدأت كصداقة “كان بيننا علاقة مودة”- هل تتذكرون ميل العمدة لتكوين علاقات ودودة مع النساء، ثم أزداد هذا الود حِدة بعد وفاة زوجته، حاول أعضاء المجلس التخفيف عن العمدة قليلا، لكن محاولاتها هي على ما يبدو تركت الأثر الأهم عليه، تقول صحفية تابعت القصة منذ البداية “حاول العمدة استمالتها لأنه كان ينظر إلى الأمر كتحد، امرأة شابة وجميلة، إضافة إلى ذلك فقد منحها عملا، فهو رجل عنيد ..”!
في تلك الفترة، بدأ يزعج نيفينكا أن ينظر إليها زملائها في المجلس على إنها امرأة جميلة فحسب، وأن يضغط عليها العمدة في التقرب إليها، بطريقة علمت منها أنه يريد أكثر من الصداقة الودودة، وللأسف، استسلمت للضغط وبدأت بمواعدته من باب الإعجاب به والتعاطف معه!

محاصرة السمكة الذهبية

على الرغم من حقيقة أنها لم تكن مهتمة به، إلا إن الإلحاح قد جعلها تتصور إمكانية مواعدة هذا الرجل، وبدأت في إيجاد الأسباب، فهي تكن له نوعا من الإعجاب-وقتها- اعتقدت إنه رجل صالح، وعصامي حقق نجاحه من لا شيء، كما إنه قد عاني كثيرا من ما حدث لزوجته، ومع ذلك لم تشعر بالراحة التي يشعر بها الإنسان حين يكون سعيدا في علاقة عاطفية “كان الأمر صعبا”!

في البداية، لم يكن هو جادا حين شعر إنها لم تكن متأكدة من مشاعرها نحوه، كان يُظهر سعادة بمجرد إنها معه، لكن سرعان ما أنقلب عليها وغضب بالفعل عندما طلب منها أن تقيم معه علاقة حميمة ورفضت، وعندما فشل الغضب في إقناعها “كان يحاول إقناعي بأساليب أخرى. كان يريدني أن أشعر بتأنيب الضمير، وشعرتُ بالفعل بتأنيب الضمير”.

حاولت أن تشرح هي إنها ببساطة لا تستطيع القيام بما طلبه منها، وكان يقول لها “لم لا نستطيع الذهاب إلى السرير أو النوم معا حتى لو لم تكوني تشعرين بأي شيء”، وكانت ترد: لا استطيع فحسب لأن هذه هي طبيعتي.

هنا، بدأ في استخدام نفوذه لمحاصرتها “وتجريدها من قيمتها”، كما قالت الصحفية الإسبانية آنا جايتيرو، فتوقف عن الذهاب للعمل وأرسل لها رسائل يخبرها فيها أنه سينتحر، وعندما كان يحضر إلى اجتماعات المجلس يغضب ويعنفها علنا أمام الجميع “كانت المواقف تتطور بشكل مختلف بشكل سيء. أفضل طريقة لوصفه هي بأنه أصبح كالجحيم”، كما قالت نيفينكا.

كان الجميع يلاحظ أن حالة نيفينكا الجسدية والنفسية قد تدهورت لكن يبدو أن أحدا لم يتدخل ولو من باب الفضول لمعرفة ما الذي يجري وما سر هذا التعنيف والفظاظة -على عكس السابق، ولم يكن هذا بدون سبب، فحالة الترقب والصمت التي سادت المجلس تجاه ما واجهته نيفينكا يعود بالأساس لاعتقاد إنها حصلت على مقعدها في المجلس لعلاقة خاصة بالعمدة وأيضا لشعور سائد بأنها مسؤولة عن ما حدث لها، هي نفسها كانت تقول “شعرتُ بالخجل والعار، لو لم أقم تلك العلاقة معه، لما حدث معي كل هذا”.

أما الصحفي خوان خوسيه مياس كان له رأي آخر، فقال إن نينفيكا “سمكة ذهبية سقطت في عالم يهيمن عليه الرجال، في عالم كاره للنساء ومتعصب ضدهم”، حتى لو كان يشغل هذا العالم بضع مقاعد تجلس عليها نساء، هناك ثقافة تبدو سائدة، تجعل المرأة مسؤولة عن ما تعانيه في عالم الرجال، وأحيانا خطؤها إذا لم تمتثل لقوانين هذا العالم!

التحرش الجنسي.. لم يكن مصطلحا شائعا!

في هذه المرحلة، كان العمدة عازما على القضاء على حياة نيفينكا المهنية؛ عقابا لها على رفضه.

ذهبت هي لكي تقدم استقالتها، كانت تشعر بالشجاعة ودخلت مكتبه لتبلغه بقرارها، لكنه اعتذر لها وطلب منها أن تسامحه، بل وأثنى على عملها في مجلس المدينة وقال إنهم بحاجة إليها “وطلب مني ألا أخلط بين الأمور. قال أنه يفهم أنه خلط بين العمل والحياة الشخصية، وإن ذلك لن يتكرر. وصدقته”!

يقول المحلل النفسي خوسيه أنطونيو في الحلقات الوثائقية إن هناك مرحلة ثانية في عملية التحرش الجنسي، لا يرغب فيها المعتدي بممارسة الجنس كثيرا لكنه يتسبب في حدوثه، وهذه المرحلة بدأت مع تسامح نيفينكا معه وتغاضيها عن الأمر “وكأنه خطأ كغيره”، وتصرفها هذا، في رأيه، شائع جدا في قضايا التحرش الجنسي.

مستغلا المناسبات التي يحضرها أعضاء المجلس خارج المدينة، حاول العمدة في الأشهر التالية أن يصنع أجواء ويضع ترتيبات تتيح له الاختلاء بها في سيارة أو أن يختار غرف فندق بينها أبواب مشتركة، أو يحجز-دون إرادتها- غرفة واحدة لشخصين ويدعي أن ذلك لأسباب لها علاقة بمحدودية الميزانية، ويخبرها أنها صديقته ويمكن لهما أن يناما في الغرفة نفسها!

في أحد المرات، التي ارتكب فيها سلوكا مروعا، غادرت ولم تذهب إلى العمل لفترة، فبدأ بنشر الشائعات عنها، بأنها تتلقى علاج من الإدمان وأحيانا يقول أنها انضمت إلى طائفة دينية، في الوقت الذي كان يمارس عليها ضغوطا عبر الهاتف لكي تعود إلى العمل وكأنه يمتلكها!

بعد إصابتها بأول نوبة ذعر نتيجة تلك الضغوط، ذهبت إلى الطبيبة التي أخبرتها إن ما تعرضت له يسمى تحرشا جنسيا، لكن نيفينكا لم تكن قد سمعت بهذا التعبير من قبل، قالت إنه لم يكن مصطلحا شائعا في ذلك الوقت.

كان تشخيص الطبيبة أن نيفينكا مصابة بـ “بمتلازمة التأقلم مع حالة من القلق بسبب صراع في مكان العمل”، وطلبت منها أن تبتعد وتحصل على إجازة، وطلبت منها أن تبلغ الشرطة لكن نيفينكا كانت مضطربة ومنزعجة من إبلاغ الشرطة عن العمدة.

لم يتوقف هو عن إطلاق الشائعات عنها، بل مارس ضغوطا عبر والديها بأن حاول إقناعهما بوضعها في مستشفى نفسية؛ لأنها لم تكن “متزنة”، ثم حاول إجبارهما على تقديم استقالتها من المجلس، وهنا كان عليها أن تتخذ إجراء وإلا فحياتها بالفعل كانت في خطر.

التضامن النسائي مع الضحية والجلاد

شهدت هذه المرحلة ظهور العنصر النسائي كداعم لكلا الجانبين معا، لكن ما فعلته نيفينكا فيرنانديز لم يكن متوقعا على الإطلاق، فقد لجأت إلى تشارو فيلاسكو وكانت تقود حزب المعارضة في مجلس المدينة. كانت يائسة ومحطمة نفسيا ونحيلة للغاية، ولم يكن لديها اختيار آخر، فبقية النساء في المجلس هن في جانب العمدة.

وفيلاسكو نفسها لم يكن لديها خيارات عديدة لمساعدة نيفينكا، نصحتها أن تبلغ الشرطة وتطلب مساعدة محامي وطبيب نفسي، ومن جهتها طلبت من حزبها عدم استغلال غياب نيفينكا عن العمل في المجلس سياسيا، وعدم ذكرها في الجلسات، وهو ما تسبب في توتر وغضب العمدة بالفعل، الذي يبدو إنه كان منتظرا أن يثير حزب المعارضة تساؤلات عن غيابها ويطالب باستقالتها، وهو ما كان يتمناه!

عقدت نيفينكا مؤتمرا صحفيا تقدم استقالتها وتشرح فيه ما تعرضت له والخطوات التي ستتخذها ضد العمدة، بحضور محاميها، الذي لفت انتباهها في وقت سابق إن طريقها لن يكون سهلا بل معقدا على نحو بالغ. وهنا تحولت نيفينكا من شخص معروف بصورة ما في بلدة صغيرة إلى شخص يظهر في كل نشرات الأخبار على مستوى إسبانيا.

أما العمدة فقد عقد مؤتمرا صحفيا مدعوما بأعضاء مجلس البلدية عن حزب الشعب، من النساء والرجال، فيما بعد ستشهد عضوة في المجلس أمام المحكمة قائلة: إن نيفينكا قالت إنها أرادت تحطيم العمدة، رغم أنها كانت تضاجعه. قالت نيفينكا إنه يثير اشمئزازها وإنها تريد تحطيمه!”.

كما سيتظاهر المئات من النساء والرجال بعد الحكم بإدانة العمدة، وقالت امرأة غاضبة للغاية: لا يستطيع أحد التحرش بي ما لم أسمح له!، وقالت أخرى: ياله من ظلم! إنه أحد أعظم أشكال الظلم التي يمكن أن تُمارس ضد هذا الرجل المسكين! لم يسبق أن كان لدينا عمدة مثله!

تصف الصحفية الإسبانية آنا جايتيرو الأجواء التي أحاطت بالمحاكمة بأنه كان هناك تفهم أكثر تجاه إسماعيل ألفاريز “كانوا يقولون أنه مجرد رجل، هذه هي طبيعة إسماعيل، لم يقصد الأمر بطريقة سيئة، إنه جاهل بعض الشيء، ربما فعل ذلك، لكنه لم يقصد ذلك (..) كان مصمما الحصول عليها ولم تتحمل ذلك”.

أما الصحفي خوان مياس قال إنه كان هناك “رغبة جماعية” أن تنطبق على نيفينكا تلك المواصفات لتكون المرأة الماكرة “دليلة” التي تستغل الرجال، وفي هذه الحالة استغلت “دليلة” رجلا صالحا وهو العمدة!

تلطيخ سمعة المدعية.. استراتيجية دفاعية قديمة

اتبع العمدة إسماعيل ألفاريز نهجا دفاعيا قديما أمام المحكمة التي كانت تنظر في اتهامات نيفينكا له بالتحرش الجنسي، فقد قدم نفسه على إنه الضحية وقال “إذا كان هناك أي شكل من أشكال التحرش فقد كان موجها ضدي.. نيفينكا تحرشت بإسماعيل”!، بالإضافة إلى استعان بنساء من مجلس المدينة لكي يشهدوا في صالحه ضدها.

أما خطوته التالية فقد كانت أقدم من الأولى، عبر محاولته تلطيخ سمعة نيفينكا وإفقادها مصداقيتها أمام القاضي والرأي العام الذي كان يتابع القضية عن كثب، فقد استخدم ما يعرفه هو عن ماضيها وما استطاع جمعه من معلومات عن سلوكها، وخلص إن تجاربه الجنسية (وهو رجل في الخمسين) كانت أقل من تجارب نيفينكا، لكنه قد نسي وهو في غمرة معايشة دور الضحية إن هذا لو كان صحيحا لا ينفي سلوكه واستغلاله لسلطة العمدة في الحصول على خدمات جنسية!

كانت مفاجأة المحاكمة ليس دفاع إسماعيل عن نفسه في الحقيقة، بل موقف المدعي العام المخضرم، الذي وجه لوما قاسيا لـ نيفينكا كما لو كانت هي المتهمة، وسألها بغضب عن الأسباب التي دفعتها لتحمّل كل هذه المعاناة التي وصفتها بالتفصيل، وهي ليست موظفة صغيرة تعمل لكسب عيشها، وكان جوابها: “لقد كانت كرامتي على المحك، أرادوني أن أرحل كمن ارتكب عملا خاطئا، كما لو أنني كنت عديمة الكفاءة، لم استطع السماح بذلك”. لفت القاضي انتباه المدعي العام أن نيفينكا هي شاهدة وليست المتهمة في القضية، أي أن اللوم لا يجب أن يوجه لها هي، لكنه تحجج بانفعاله، لكن الصحافة لم يعجبها موقفه وشنت عليه هجوما، تسبب في تنحيته عن القضية وتأخر المحاكمة أيام حتى يتم تعيين آخر بديلا عنه.

الانتصار في المحكمة والهزيمة خارجها

كان دفاع نيفينكا فيرناديز أكثر تماسكا من دفاع العمدة، ونجح في توفير أدلة قوية على صحة ما وجهته له من إدعاءات، فبعد محاكمة استمرت 15 يوما متفرقة، أدين العمدة بالتحرش الجنسي وألزمته المحكمة بدفع غرامة مالية وتعويضا لـ نيفينكا بلغ 12 ألف يورو عام 2002.

لكن إسماعيل ألفاريز على ما يبدو رفض قبول هذا الحكم، واستمر في تصوير نفسه لناخبيه على إنه ضحية لامرأة استغلته، لكن لم ينفِ ذلك أن القضية في حد ذاتها كانت صدمة للرأي العام في إسبانيا، فقد كانت أول قضية تُدان فيها شخصية سياسية بالتحرش الجنسي، لكن للأسف، مجتمع المدينة الصغيرة لم يتضامن مع نيفينكا، وكان عليها في النهاية مغادرة إسبانيا كلها وبدء حياة جديدة في مكان آخر، أما هو فلم يعتذر ولم يبدي ندمه للمجتمع الذي انتخبه، وكان هناك ما يشبه التواطؤ بينه وبين معظم أفراد هذا المجتمع، فقد كان الجميع يدين للعمدة بخدمة ويبدو أن رفض تصديق نيفينكا كان ردا لهذا الدَين بشكل ما!

صدقوا أدلة النساء

تثير قضية نيفينكا فيرناديز وما آلت إليه، أفكارا عدة عن تمثيل النساء في السلطة، أية سلطة وأي مجال ليس فقط السياسة، منها، إن خضوع الرجال للضغط من أجل تمثيل المزيد من النساء في مقاعد السلطة، وقبولهم-شكليا- لمشاركة النساء فيها-بطريق غير خوض المرأة انتخابات- قد يدفعهم إلى اختيار عناصر نسائية لكن ليست للأسباب التي يعتقد المجتمع أنهم اختاروهن من أجلها، نتصور أن المرأة التي يتم اختيارها لمقعد في السلطة، تمتلك كفاءة أو استحقاق، لكن قضية مثل هذه تعطي إشارة قوية على إنه ليس الحال دائما.

كما تطرح هذه القضية، ضوءا قويا على إن “تصديق النساء” في جريمة الاعتداء الجنسي كـ قناعة مطلقة لدى المدافعات عن المرأة وحقوقها، تتعرض لاختبار في كل قضية، ولا يمكن أن تصبح قاعدة يقبلها الجميع على غرار “المتهم برىء حتى تثبت إدانته”، ورأيي إن المهتمين بالشأن النسوي لا يجب أن يقدموا “تصديق النساء” كمبدأ لا يمكن دحضه خاصة إذ كانت القضية برمتها تخضع للمحاكمة، وإلا ما قيمة المحاكمة من الأساس إذا كنا قد توصلنا إلى النتيجة مسبقا، بل العمل من أجل إثبات الإدعاءات بصورة لا تقبل الشك في المحكمة، أو أمام الرأي العام.

في حالة الرجال النافذين مثل هذا السياسي كان لدى مؤيدوه من الرجال والنساء أسباب عديدة لتصديقه، ليست كلها لصفات أو سلوك بل لديهم هم، ربما لا يستطيعون تقبل فكرة أن الشخص الذي انتخبوه هو بهذا السوء، فهم يدافعون عن اختيارهم له وليس عنه شخصيا، لكن نيفينكا هي من دفعت الثمن، وما زالت تدفعه حتى الآن، فهي من اضطرت للخروج من بلدها أما هو، صحيح إنه بصورة ما انتهت مسيرته السياسية، لكنه قد استمر في المجتمع نفسه حتى الآن، وكانت المحاكمة بمثابة انتصارا صغيرا لكن بنتائج وعواقب مريرة طويلة الأجل!

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: